قصة ثلاثة أبناء، وأم وأب، وأربع بنات، وعم وخال وأبنائهم.. كانوا يعيشون في قرية صغيرة وجميلة. كانت حياتهم هادئة لا مرض فيها ولا بلاء، ولا يقطعون صلاتهم، يلهجون بشكر الله، ويذهبون كل يوم إلى المسجد ليؤدوا صلاة الفجر.
وفجأة، دُمّرت القرية بسبب حريق كبير، ولم يعد لديهم شيء يأكلونه. قرر الأب (الجد الأكبر للعائلة) الرحيل إلى قرية أخرى ليعيشوا هناك. وفي طريقهم، وجدوا نبع ماء وغابة جميلة مليئة بالثمار، فقرر الجد الأكبر أن يبني بضعة أكواخ صغيرة تتسع للعائلة كي يستقروا في هذه الغابة الجميله لفترة من الزمن.
مرّ عليهم شهر وهم يعيشون في الغابة، فقرر الأخ الأكبر أن يذهب مع إخوته للبحث عن عمل في المدينة التي تبعد عنهم 38 كيلومتراً. كانت المسافة بعيدة جداً، فقرروا البحث عن حصان أو دابة للوصول إليها ليتبضعوا ويشتروا الطعام لتستمر حياتهم. ذهبوا إلى الكوخ واجتمعت العائلة تضرع إلى الله بالدعاء أن يرزقهم ويفرج كربهم ويبعد عنهم الأمراض.
مرت ثلاثة أيام، فخرج الأخ الأكبر ليبحث عن طعام أو صيد. وفي طريقه، وجد حصاناً جائعاً وعطشاً، فأحضر له الماء. شرب الحصان وفرح الرجل فرحاً كبيراً؛ فقد كان يبحث عن دابة للوصول إلى المدينة، فسبحان الخالق الذي لا ينسى أحداً! حمد الله وشكره على هذه النعمة.
فرحت العائلة كثيراً عندما رأت الحصان، فاستأذن الشاب جده وأبويه للذهاب إلى المدينة. خافوا عليه من حيوانات الغابة المفترسة ومن طول الغياب، لكنه قال لهم: "أنا بإذن الله ذاهب في الصباح الباكر لأبحث عن عمل، وعندما أجمع المال سأشتري عربة للحصان والطعام وكل ما نحتاجه، وأسألكم الدعاء."
في الصباح الباكر، ودّع الشاب عائلته وأوصى إخوته بهم، وقال بحزن: "يا إخوتي الأحباء، ويا أبي وأمي وجدي وخالي وعمي، سأعود إليكم قريباً إن شاء الله. سأشتري عربة وكل ما تحتاجونه." حزنت العائلة ودعوا له بالتوفيق، وقالت له أمه وهي تبكي وتضمه إلى صدرها: "لا تذهب يا بني، الثمار والصيد كثيران في الغابة ونحن نعيش منهما." فرد عليها: "يا أمي الغالية، لا أستطيع التراجع، فقد رزقني الله هذا الحصان لأسعى على رزقي. دعيني أذهب ولا تغضبي مني، وأسألك الدعاء، فالقرآن الكريم في قلبي وحقيبتي." فقالت له: "اذهب يا بني، ولكن لا تهجر كتاب الله ولا تقترب من الحرام، سير على بركة الله."
سافر الشاب على ظهر حصانه في طريق الغابة المخيفة، لكن الحصان تعثر وسقط ميتاً! لم ييأس الشاب، بل صنع حقيبة كبيرة ليحمل فيها أغراضه وطعامه، وصلى صلاة الظهر ثم أكمل طريقه سيراً على الأقدام. وفي طريقه، سقط في حفرة عميقة بالغابة وغاب عن الوعي لمدة 5 ساعات.
كان هناك رجل عجوز يعيش وحده قريب من الغابة، رأى الأغراض والطعام من بعيد، فاستغرب وأخذ يبحث حتى وجد الحفرة ورأى الشاب غائباً عن الوعي في قاعها. أخذه العجوز إلى كوخه الصغير، ونظف جروحه وخاطها، ودهن جسمه بالأعشاب الطبية.
بعد 24 ساعة، أفاق الشاب واسترد عافيته، لكنه كان قد فقد ذاكرته تماماً! سأله العجوز من يكون، فرد الشاب حائراً: "لا أذكر شيئاً، ولا أعرف من أنا ولا ماذا أفعل هنا!" فقال له العجوز: "لقد أصبت في رأسك، وبإذن الله ستشفى وترجع إلى طبيعتك بعد فترة."
خرج العجوز ليحضر الطعام، فخرج الشاب الفاقد للذاكرة يتجول، ورأى حصاناً ميتاً على الأرض (ولم يكن يعلم أنه حصانه). قرر أن يحفر حفرة ويدفنه فيها، ثم جلس تحت الشجرة يرتاح فغلبه النوم. عندما عاد العجوز ولم يجده، خرج يبحث عنه حتى وجده نائماً. قال له العجوز: "لماذا تركت الكوخ وأنت مريض؟ ستبقى عندي حتى تشفى وتسترجع ذاكرتك لأوصلك إلى أهلك."
في هذه الأثناء، قلق أهل الشاب على ابنهم صالح. قالت الأم والأب: "سنذهب للبحث عنه"، وقالت إخوته البنات (هاجر، مريم، شمس، وخديجة) إنهن سيذهبن معهم. لكن الأخ الثاني (يوسف) قال: "ابقوا أنتم في البيت، سأذهب أنا وأخي دانييل للبحث عن أخينا صالح." قال لهم الأب والجد: "الله يرعاكم ويحفظكم، احذروا من وحوش الغابة." وبكت الأم شوقاً وخوفاً على صالح، فأطمأنها إخوته وتوكلوا على الله، وصلي صلاة الفجر ثم انطلقوا في رحلة البحث.
في طريقهم، وجدوا كوخاً مهجوراً، فنادى يوسف للتأكد من وجود أحد، فلما لم يجيبهم أحد ودخلوا، قرروا المبيت فيه بسبب الظلام والبرد، وأشعلوا النار حتى الفجر ثم أكملوا طريقهم.
أما في كوخ العجوز (أبو جعدان)، فقد قال لصالح: "أنا أيضاً فقدت ذاكرتي منذ الحرب ولا أذكر عائلتي، وهربت إلى الغابة لأعيش لوحدي." فقال له صالح: "أعطني بعض الوقت، وإن شاء الله أساعدك لتتذكر."
وفي الصباح، خرج صالح ليصطاد الأسماك للعجوز من بركة مجاورة، وأثناء إعداده للطعام، سأل صالح أبو جعدان: "سمعتك البارحة تحلم في منامك وتصرخ: (اتركوا ابني!)، أظن أن هناك أمراً حدث لعائلتك." فقال العجوز باكياً: "لا أذكر شيئاً، ساعدني أرجوك."
مرت بعض الأشهر، وبينما كان صالح ذاهباً للبركة، سمع صوت رجل يصرخ في الغابة ويقول: "اتركني! اتركني!". أسرع صالح وأخبر أبو جعدان، واقتربا بحذر ليروا عصابة مسلحة خطيرة تقبض على رجل وتضربه بقسوة.
قال صالح: "ليس لدينا سلاح، لنعد إلى الكوخ ونستعن بالله ونعد سلاحاً بسيطاً وحبالاً لننقذه." وعندما حل الظلام، اتفقا على أن يتسلل صالح لفُك قيد الرجل المخطوف، بينما يراقب أبو جعدان المكان، وإذا خرج أحد العصابة ينادي بصوت الذئب (أوووو) ليحذره.
تسلل صالح وفك قيد الرجل، لكن أبو جعدان أصدر صوت التحذير متأخراً؛ فقد كشفته العصابة وقبضت عليه ووضعته في قفص حديدي كبير! أما صالح والرجل المخطوف فقد استطاعا الهرب إلى الكوخ.
قال صالح للرجل المخطوف: "انتظرني هنا ولا تخرج، سأذهب لأحضر صديقي العجوز." خشي صالح أن تكون العصابة قد أمست العجوز، فتسلل إلى معسكرهم ليلاً وسمعهم يتحدثون عن قتل أبو جعدان.
صعد صالح على شجرة، وعندما مر الحارس الأول ضربه على رأسه وقيده وأغلق فمه، ثم استدرج الحارس الثاني بفخ وفعل به المثل. أسرع صالح وفتح القفص وفك قيد أبو جعدان وهربا معاً. فرح العجوز وقال: "أنت بطل يا صالح، حفظك الله!"
وفي طريق العودة، تفاجأ صالح بأشخاص يقتربون من بعيد.. لقد كانوا إخوته الذين يبحثون عنه منذ 10 أشهر! ناداهم صالح بصوت عالٍ وركض ونزل في أحضانهم وهو يبكي من الفرح، واحتضن إخوته الرجل المخطوف الذي أنقذوه في الطريق أيضاً!
اقترب أبو جعدان من الفتى المخطوف وقال له بشعور غريب: "كأني أعرفك! ما اسمك ومن هو والدك؟"
رد الفتى: "اسمي رعد، ووالدي اسمه أبو جعدان!"
لم يصدق العجوز أذنيه، وبكى بحرقة وقال: "أنا أبوك!" واحتضنه بشدة. سأله رعد عن قصته، فشرح له صالح كيف كان والده فاقداً للذاكرة وبدأ يستعيدها تدريجياً.
سجد الجميع سجدة شكر لله تعالى على هذه المعجزة، وودّع أبو جعدان وابنه رعد صالحاً وإخوته ووعدوهم بالزيارة كل أسبوع، وعاد كلٌّ منهم مع عائلته بسلام وفرح
⏱️ وقت القراءة المتوقع: دقيقة
إرسال تعليق