إن الاستغفار ليس مجرد كلمات ترددها الألسن، بل هو عبادة جليلة وقربة عظيمة، افتقر إليها الأنبياء قبل الأمم. وفي مدونة "صحيح"، نسلط الضوء على هذه العبادة كما فصّلها علماء الأمة، لبيان أثرها في تفريج الكروب ونيل رضا علام الغيوب.
أولاً: حقيقة الاستغفار (بفهم الشيخ ابن عثيمين)
يقول العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله:
"الاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه".
فالمسلم حين يقول "أستغفر الله"، هو يطلب من الله شيئين:
الستر: فلا يفتضح أمره بين الخلق.
التجاوز: فلا يعاقبه الله على هذا الذنب. وهذا يوضح أن الاستغفار وقاية من آثار الذنوب في الدنيا والآخرة.
ثانياً: فضل الاستغفار (بفهم الشيخ ابن باز)
سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن فضل الاستغفار، فأوضح أن الله عز وجل جعل الاستغفار وسيلة للأمان من العذاب، مستشهداً بقوله تعالى:
"وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ".
وأكد الشيخ أن المداومة على الاستغفار من أعظم أسباب:
انشراح الصدر: وزوال الهموم والغموم التي تصيب العبد.
تيسير الأرزاق: كما جاء في سورة نوح، فالاستغفار الصادق يفتح أبواب البركة.
تطهير الصحائف: يقول ابن باز: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً".
ثالثاً: متى يكون الاستغفار مشروعاً؟
وفقاً لما قرره الشيخان، فإن الاستغفار مشروع في كل وقت، ولكنه يتأكد في مواضع محددة:
بعد الطاعات: كما كان النبي ﷺ يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، لجبر ما قد يقع في العبادة من خلل.
في الأسحار: لقوله تعالى: "وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ".
بعد الوقوع في المعصية: وهو الواجب فوراً لمحو أثر الذنب.
في ختام المجالس: (كفارة المجلس) "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
رابعاً: هل الاستغفار يغير الواقع المادي؟
يرى العلماء أن الله سبحانه جعل الاستغفار سبباً للمتاع الحسن في الدنيا، لقوله تعالى: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا". ولكن الأمانة العلمية تقتضي القول بأن النتائج بيد الله وحده، والمسلم يستغفر تعبداً وامتثالاً، ويرجو من الله الفضل والبركة في رزقه وعمله، دون أن يحدد توقيتاً أو حكماً على مشيئة الله.
خاتمة وتوجيه
إن لزوم الاستغفار هو صفة المتقين وشعار الصالحين. فليكن لنا في رسول الله ﷺ قدوة، وهو الذي كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.
كتبه فريق تحرير مدونة "صحيح" - نقلاً عن فتاوى ومؤلفات الشيخين ابن باز وابن عثيمين.
إرسال تعليق