إنّ المتأمل في حقيقة العبودية لله جل وعلا، يدرك أن الشأن ليس في مجرد أداء العبادة وصورتها الظاهرة، بل الشأن كل الشأن في تحقيق جوهرها ومقصدها. فجدير بالعاقل اللبيب أن ينظر في عبادته بعين الفاحص المحاسب، حتى يعرف حقيقتها ويؤديها على الوجه الذي يرضي ربه.

جوهر العبادة: الذل والخضوع لله (H2)

العبادة ليست حركات بدنية جوفاء، بل هي الذل المطلق والخضوع التام لله سبحانه وتعالى، المنبعث من محبة صادقة له، ورغبة فيما عنده من الثواب، ورهبة وخوف من عقابه. فالمؤمن لا يترك المحظور أو يفعل المأمور لمجرد العادة، بل يفعل ذلك إخلاصاً وخشية لله وحده لا شريك له.

عالمية التوحيد وشرائع الأنبياء (H2)

لقد كانت دعوة الأنبياء جميعاً قائمة على أصل واحد: أن تكون العبادة لله وحده، موافقة لما شرعه الله على لسان رسله.

  • في حق الأمم السابقة: لم تكن عبادة قوم نوح، أو هود، أو صالح، أو إبراهيم مقبولة إلا إذا كانت خالصة لله، وموافقة للشريعة التي جاء بها الرسول المبعوث إليهم في وقتهم.

  • في حق أمة محمد ﷺ: نحن مطالبون بإفراد الله بالعبادة، مع لزوم موافقة شريعة المصطفى ﷺ التي ختم الله بها الرسالات.

قال تعالى محذراً من الابتداع في الدين: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21]. فليس لأحد أن يبتدع شريعة من عند نفسه، بل الواجب هو الاتباع لقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18].

آية المحنة: الاختبار الحقيقي للمحبة (H2)

كثير من الناس يدعي حب الله، ولكن الله امتحن هذا الادعاء بـ "آية المحنة"، وهي قوله عز وجل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31]. فالاتباع لرسول الله ﷺ هو البرهان الساطع والدليل القاطع على صدق المحبة. فالمشركون قديماً زعموا محبة الله، لكنهم أشركوا معه أنداداً، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165]. فإذا فُقد الإخلاص بطلت المحبة وبطل العمل.

شرطا قبول العمل عند المكلف (H2)

لكي يكون عملك -أيها المسلم- مقبولاً، لا بد من اجتماع شرطين لا ينفك أحدهما عن الآخر:

الأمر الأول: الإخلاص لله (H3)

أن يكون الباعث المحرك لعملك هو طلب مرضاة الله سبحانه وتجريد القصد له. تصلي لله، تصوم لله، تتصدق لله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لله؛ لا رياءً، ولا طلباً لثناء الناس، ولا لمنفعة دنيوية، بل لوجه الله وحده.

الأمر الثاني: الموافقة للشريعة (H3)

أن يكون العمل وفق ما شرعه الله. وهذا الشرط يخاطب المسلم؛ أما الكافر فلا يقبل منه عمل حتى يسلم، لقوله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:88]. فالدخول في الإسلام وتوحيد الله هو الأساس الذي تُبنى عليه الأعمال.

ليبلوكم أيكم أحسن عملاً (H2)

كرر الله عز وجل في كتابه العزيز ذكر الابتلاء بحسن العمل في سور عدة (هود، الكهف، الملك).

  • قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].

  • وعن الفضيل بن عياض رحمه الله قال في تفسيرها: "أخلصه وأصوبه، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".

لاحظ يا أخي أن الله قال "أحسن" ولم يقل "أكثر". فالعبرة بإتقان العمل، وكمال إخلاصه، وموافقته للسنة، ولو كان قليلاً. فصلوات قليلة متقنة بخشوع وإخلاص، أفضل من كثير غابت عنه روح الصدق والخشوع.

التفاوت بين المصلين (H3)

قد يقف الرجلان في صف واحد خلف إمام واحد، وبينهما في الأجر كما بين المشرق والمغرب؛ بسبب إقبال قلب أحدهما وغفلة الآخر. وفي الحديث: «إنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها»، فمنهم من يُكتب له نصفها، أو ثلثها، حتى قال: عُشرها. فالمدار على الإقبال والصدق وتصفية العمل من الشوائب.

الخاتمة: إرادة وعمل وإيمان (H2)

لخص القرآن الكريم طريق السعادة في قوله تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء:19]. فلا بد من إرادة وجه الله، مع سعي وعمل، بشرط أن يصدر كل ذلك عن إيمان صادق. فالسعي بلا إيمان هباء، والإرادة بلا عمل تمنٍّ كاذب.