هذا الكلام مناف لكمال التوحيد، وكمال الإيمان بالقدر، فإن القدر لا يلهو، والزمن لا يعبث، وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه، والله سبحانه هو الذي يصرف الليل والنهار، وهو الذي يقدر السعادة والشقاء، حسب ما تقتضيه حكمته وقد تخفى تلك الحكمة على الناس؛ لأن علمهم محدود، وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية، وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه، لها حكمة بالغة وغايات محمودة، يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال (فيما يرويه عن ربه ): يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وفي رواية: لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر وفي رواية: لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر وقد نقل هذا التفسير للحديث بهذا المعنى عن الشافعي، وأبي عبيد، وابن جرير، والبغوي وغيرهم.
وأما معنى قوله: أقلب الليل والنهار يعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره وبعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].
وقد أورد الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، بابا في كتاب التوحيد سماه: (باب من سب الدهر فقد آذى الله) أورد فيه هذا الحديث وبين أنه يشتمل على عدة مسائل: النهي عن سب الدهر، تسميته أذى لله، التأمل في قوله: فإن الله هو الدهر، وأنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
وعلى هذا فإن الكاتبة -سامحها الله- أخطأت عندما نسبت القسوة إلى الدهر في عنوان قصتها؛ لأن القدر -كما سبق- لا يتصرف، وإنما الله سبحانه هو المقدر للأشياء عن حكمة بالغة، والله جل وعلا لا يوصف بالقسوة، بل هو جل وعلا رحيم بعباده، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، كما ورد في الحديث الصحيح الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها فيجب أن ننزه أقلامنا عن الوقوع في مثل هذه المزالق، امتثالا لأمر الله وأمر رسوله، وإكمالاً للتوحيد، وابتعادًا عما ينافيه أو ينافي كماله، ووسائل الإعلام -كما هو معروف- واسعة الانتشار وعظيمة التأثير على الناس، وكثرة ترديدها لمثل هذه الكلمات ينشرها بين الناس، ويجعلهم يتساهلون في استعمالها، وخاصة النشء مع ما في استعمالها من المحذور.
نسأل الله أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويجنبنا زلات القلم واللسان، إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه[1].
التعليقات
أبو عبد الله: جزاكم الله خيراً على هذا التوضيح العظيم.
شروط قبول الدعاء
من أعظم الشروط الثقة بالله، والتصديق له ولرسوله ﷺ، والإيمان بأن الله هو الحق، ولا يقول إلا الحق، والإخلاص لله سبحانه، والمتابعة لرسوله ﷺ مع الإيمان بأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- بلغ الحق، وهو الصادق فيما يقول، وأن يأتي بذلك عن إيمان وثقة بالله، ورغبة فيما عنده، وأنه سبحانه مدبر الأمور ومصرف الأشياء، وأنه القادر على كل شيء ، لا عن شك ولا عن سوء ظن، بل عن حسن ظن بالله وثقة به، وأنه متى تخلف المطلوب فلعلة من العلل المذكورة أو غيرها، فالعبد عليه أن يأتي بالأسباب، والله مسبب الأسباب، وهو الحكيم العليم.
وقد يحصل الدواء ولكن لا يزول الداء لأسباب أخرى جهلها العبد، والله فيها حكيم سبحانه وتعالى، وهذا يشمل الدواء الحسي والمعنوي، الحسي الذي يقوم به الأطباء من أدوية وعمليات ونحو ذلك، والمعنوي الذي يحصل بالدعاء والقراءة ونحو ذلك من الأسباب الشرعية، ومع هذا كله قد يتخلف المطلوب لأسباب كثيرة، منها الغفلة عن الله سبحانه، ومنها المعاصي، ولاسيما أكل الحرام، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثل ذلك، قالوا يا رسول الله، إذا نكثر قال: الله أكثر.
وبذلك يعلم المؤمن والمؤمنة أن إجابته قد تؤجل إلى الآخرة لأسباب اقتضتها حكمة الله سبحانه، وقد يصرف عنه بأسباب الدعاء شر كثير بدلا من أن يعطى طلبه، والله هو الحكيم العليم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، كما قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ عليم حَكِيمٌ [يوسف: 6], والله ولي التوفيق.
التعليقات
فاطمة: جزاكم الله خيراً، مقال نافع جداً.
فضل الاستغفار
إن الاستغفار ليس مجرد كلمات ترددها الألسن، بل هو عبادة جليلة وقربة عظيمة، افتقر إليها الأنبياء قبل الأمم. وفي مدونة "صحيح"، نسلط الضوء على هذه العبادة كما فصّلها علماء الأمة، لبيان أثرها في تفريج الكروب ونيل رضا علام الغيوب.
أولاً: حقيقة الاستغفار (بفهم الشيخ ابن عثيمين)
يقول العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله: "الاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه". فالمسلم حين يقول "أستغفر الله"، هو يطلب من الله شيئين: الستر (فلا يفتضح أمره بين الخلق) والتجاوز (فلا يعاقبه الله على هذا الذنب). وهذا يوضح أن الاستغفار وقاية من آثار الذنوب في الدنيا والآخرة.
ثانياً: فضل الاستغفار (بفهم الشيخ ابن باز)
سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن فضل الاستغفار، فأوضح أن الله عز وجل جعل الاستغفار وسيلة للأمان من العذاب، مستشهداً بقوله تعالى: "وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ". وأكد الشيخ أن المداومة على الاستغفار من أعظم أسباب انشراح الصدر، تيسير الأرزاق، وتطهير الصحائف.
ثالثاً: متى يكون الاستغفار مشروعاً؟
وفقاً لما قرره الشيخان، فإن الاستغفار مشروع في كل وقت، ولكنه يتأكد في مواضع محددة: بعد الطاعات، في الأسحار، بعد الوقوع في المعصية، وفي ختام المجالس (كفارة المجلس).
رابعاً: هل الاستغفار يغير الواقع المادي؟
يرى العلماء أن الله سبحانه جعل الاستغفار سبباً للمتاع الحسن في الدنيا، لقوله تعالى: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا". ولكن الأمانة العلمية تقتضي القول بأن النتائج بيد الله وحده، والمسلم يستغفر تعبداً وامتثالاً.
خاتمة وتوجيه
إن لزوم الاستغفار هو صفة المتقين وشعار الصالحين. فليكن لنا في رسول الله ﷺ قدوة، وهو الذي كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة. كتبه فريق تحرير مدونة "صحيح" - نقلاً عن فتاوى ومؤلفات الشيخين ابن باز وابن عثيمين.
التعليقات
صالح الهيب: جزاكم الله خيراً، جعلها الله في ميزان حسناتكم.